مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

مصر والصين.. التعليم من تبادل الخبرات إلى صناعة المستقبل ( 1)

مع الاحتفال ببداية العقد الثامن من العلاقات الدبلوماسية المصرية الصينية، تبدو الشراكة بين القاهرة وبكين أمام فرصة جديدة للانتقال من التعاون في المشروعات والاستثمارات إلى التعاون في بناء الإنسان، باعتباره الأساس الحقيقي لأي تنمية مستدامة.
ويأتي ملف التعليم في مقدمة المجالات التي يمكن أن تستفيد فيها مصر من التجربة الصينية، ليس بهدف استنساخ نموذجها ، وإنما لاستخلاص الخبرات التي تتوافق مع احتياجاتها وأهدافها الوطنية.
وهنا تبرز رؤية مصر 2030 باعتبارها الإطار الذي ينبغي أن يحكم هذا التعاون ، حيث نص الهدف الرابع من رؤية مصر علي "تتبنى مصر المعرفة والابتكار والبحث العلمي كركائز أساسية للتنمية من خلال الاستثمار في الناس، وبناء قدراتهم الإبداعية، وتشجيع الابتكار ونشر ثقافتها، ودعم البحث العلمي مع ربطه بالتعليم والتنمية".
ومن هنا فإن السؤال الأهم الان ليس ماذا تستطيع الصين أن تقدم لمصر في مجال التعليم، وإنما كيف تستطيع مصر أن توظف الخبرة الصينية لتحقيق أهداف مصر في إطار رؤية 2030؟
ولا شك أن الصين تمتلك تجربة ضخمة في تطوير منظومتها التعليمية وربطها باحتياجات الاقتصاد والصناعة والابتكار، وقد أصبح التعليم المهني والجامعي جزءًا من منظومة إعداد الكوادر للصناعات الجديدة والتكنولوجيا الحديثة، وهو ما يلفت الانتباه بصورة خاصة في التجربة الصينية؛ لأن أحد التحديات التي تواجه مصر هو تحقيق التوازن بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.
وهذا يتوافق بصورة مباشرة مع توجه مصر في تطوير التعليم الفني والتكنولوجي. فقد أكدت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني أن تطوير منظومة التعليم الفني يجري في إطار رؤية مصر والأولويات الوطنية لتنمية رأس المال البشري ورفع مهارات الشباب.
ومن هنا يمكن أن تستفيد مصر من كافة التجارب الناجحة علي مستوي العالم ، وأعتقد أن نموذج التجربة الصينية مفيد في تطوير فلسفة التعليم الفني المصرية، بحيث لا يكون مجرد مسار بديل للتعليم العام، وإنما أحد المسارات الرئيسية لإعداد العمالة الماهرة التي تحتاجها الصناعات الجديدة.
ويحضرني دائما (ورش لوبان) وهي نموذجًا عمليًا مهمًا للتعاون المصري الصيني في هذا المجال. وقد تأسست ورشة لوبان بجامعة عين شمس في أواخر عام 2020 بالتعاون مع مؤسسات تعليمية صينية، وتبلغ مساحتها نحو 1200 متر مربع، وتوفر تدريبًا عمليًا في مجالات تشمل ماكينات التحكم الرقمي CNC والطاقة المتجددة وفحص وصيانة السيارات.
وتوجد في مصر ورشتان لوبان ، إحداهما في جامعة عين شمس والأخرى في المدرسة الفنية المتقدمة لتكنولوجيا الصيانة بالقاهرة، بما يؤكد أن النموذج بدأ بالفعل داخل منظومة التعليم المصرية. وقد شارك 19 طالبًا من كلية الهندسة بجامعة عين شمس بعد افتتاح الورش وبمناسبة مرور خمس سنوات علي التجربة وذلك في عام 2025 في برنامج تبادل شمل زيارة جامعات ومصانع ومعامل متقدمة في الصين.
والقيمة الحقيقية لورش لوبان لا تكمن في المعدات وحدها، وإنما في الجمع بين التدريب العملي، وتطوير مهارات الطلاب، وتبادل الخبرات، والتواصل المباشر مع المؤسسات التعليمية الصينية. وهذا هو الجانب الذي يمكن لمصر البناء عليه بصورة أكبر خلال المرحلة المقبلة.
فبدلًا من الاكتفاء بورشتين، يمكن دراسة التوسع في هذا النموذج داخل الجامعات التكنولوجية والمدارس الفنية، خصوصًا في المحافظات الصناعية وصعيد مصر والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وربط كل ورشة بقطاع إنتاجي محدد، مثل السيارات الكهربائية والإلكترونيات والطاقة الجديدة والروبوتات والتصنيع الذكي واللوجستيات.
وهذا الاقتراح يتوافق بصورة مباشرة مع فلسفة رؤية مصر 2030 التي تستهدف اقتصادًا تنافسيًا قائمًا على المعرفة، وزيادة فرص العمل، ودعم الابتكار والتحول الرقمي.
وعند الحديث عن اللغة الصينية نجدها أصبحت بدورها أكثر من مجرد تخصص جامعي؛ فهي يمكن أن تتحول إلى أداة من أدوات التنافسية الاقتصادية المصرية، ومن المهم الآن هو إعادة النظر في فلسفة تعليم الصينية: فالمستقبل لا يحتاج فقط إلى مترجمين، وإنما إلى مهندسين واقتصاديين ومتخصصين في التكنولوجيا والسياحة والتجارة واللوجستيات يتحدثون الصينية. ولذلك فإن الاتجاه الأكثر فائدة لمصر هو الانتقال من «الصينية كتخصص» إلى «الصينية مع التخصص»، بحيث تصبح اللغة إضافة إلى التأهيل المهني والعلمي، لا بديلًا عنه.
* عضو المجلس المصري للشئون الخارجية
باحث وخبير بالشئون الصينية والأسيوية
[email protected]